عاجل يتم بث سماع مسند الامام احمد على هذا الرابط http://bambuser.com/channel/smaaelmosnad        

الأخوان المسلمون => بحوث علمية        التربية في الإسلام => صفحـة الـمـقـالات        ختمة الموطأ => صـفـحة الاخـبـــار        دورة سماع وتعليق الترمذي -المجلس العاشر => الشيخ الناجي        دورة سماع وتعليق الترمذي -المجلس التاسع => الشيخ الناجي        دورة سماع وتعليق الترمذي-المجلس الثامن => الشيخ الناجي        دورة سماع وتعليق الترمذي -المجلس السابع => الشيخ الناجي        دورة سماع وتعليق الترمذي -المجلس السادس => الشيخ الناجي        دورة سماع وتعليق الترمذي -المجلس الخامس => الشيخ الناجي        دورة سماع وتعليق الترمذي -المجلس الرابع => الشيخ الناجي        

موقع البخاري لعلوم القرآن والسنة | صفحـة الـمـقـالات >> عش ما شئت فإنك ميت
 

.:: عرض المقالة :عش ما شئت فإنك ميت ::.

   

صفحـة الـمـقـالات

اسم المقالة : عش ما شئت فإنك ميت
كاتب المقالة: محمد بن محمود الإسكندراني
تاريخ الاضافة: 28/04/2009   زوارا: 2213

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله حمداً كثيراً طيباًمباركاً فيه ملء السموات وملءالأرض وملءماشاءربنا

والصلاة والسلام على رسول الله واله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً فيه

أمابعد

 جزى الله الشيخ السكندري خير الجزاء وأحسن إليه . الموضوع قيم، و إن كنت لا أرى صحة الحديث :

 وإن حسَّه الشيخ الألباني قال في الصحيحة 831 قلت :-ناقلاً تحسين العراقي- .وهوالصواب الذي يدل عليه مجموع هذه الطرق .وا لله أعلم .انتهى كلامه

وأما القول بالصحة ففيه مبالغة لأن الحديث هو إلى الضعف أقرب لمن يقول بقاعدة جمع الطرق والشواهدالضعيفة

 الكثيرة و العمل بها وإن كانت هذه القاعدة ليست مطردة عند الألباني, تجده هوومن سبقه قد يحسنون للضعيف

 وفي الغالب أنهم لايقبلون حديثه ،وربمافي بعض الاحوال ينقدح في فكره وسبره للرواة وطول الممارسة التصحيح. وهذه توجد بكثرة عندالمتأخرين.لكنهالاتدل على صحة ماذهب إليه. لكنه باب من أبواب الإجتهاد .

 والمعاني رائعة وخاصة زيارة الصالحين مثل جبريل عليه السلام كما في حديث البخاري أخرجه في مواضع ثلاثة كتاب بدء الخلق ،والتفسير،والتوحيد.عن ابن عباس رضي الله عنهما:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل:ألاتزورناأكثرممَاتزورنا.قال:فنزلت {ومانتنزَل إلابأمرربك له مابين أيديناوماخلفنا}

 والمتمعن في تبويبات البخاري يدرك ويفهم مرادات النصوص مثلا في تبويبه في بدءالخلق بحيث لايحتاج لكثير تدبرقال( باب ذكر الملائكة) وقال أنس :قال عبدالله بن سلام للنبي صلى الله عليه وسلم : إن جبريل عليه السلام عدو اليهود من بين الملائكة ثم ذكر حديث المعراج وصحبة جبريل للنبي عليهما السلام . ثم ذكر حديث إذاأحبَ الله العبدنادى جبريل

 وذكرأن الملائكة إذاكان يوم الجمعة..إلى قوله وجاءوا يستمعون الذكر .وحديث :اللهم أيده بروح القدس، وجبريل معك .كأني أنظر إلى غبارساطع في سكة بني غنم .زاد موسى :موكب جبريل} وقوله: وكيف يأتيك الوحي .وحديث ياعائشة هذاجبريل يقرأعليك السلام . ثم ذكربعده ألاتزورنا.ثم أقرأني جبريل على حرف .إلى أخره .

وكان أجود مايكون في رمضان حين يلقاه جبريل،وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن .

فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجودبالخير من الريح المرسلة ) وقدذُكرفي هذا الحديث من المعاني واللطائف منها ذكر الجود ثلاث مرات وجبريل ثلاث مرات ورمضان والمدارسة ويلقاه والقرآن والريح المرسلة .ومعلوم أن تكرار الشيء يدل على أهميته. وذكره في الوحي .

ورمضان وبدء الخلق .وفي المناقب باب صفة النبي صلى الله عليه الله وسلم والعجب لاينقطع من البخاري إذ أنه في هذا الباب أتى بالعجب والعجاب قال الحافظ ابن حجر وأودفيه أربعة وعشرين حديثا .ولو نظرالناظر لقضى له بالمعرفة التامة في حديث رسول الله عليه صلوات الله .هذاالباب فيه شمولية الإسلام خلْقاً وخُلُقاً وحياءً وتواضعاً والكره والحب و الصلاة والزكاة وغير ذلك .

والباب الذي يليه والذي بعده يزيدك دهشًا فما أعلم في معرفتي الضعيفة أحداً مثل البخاري في معرفته للسنة على العموم رحمه الله جزى الله شيخنا السكندري أعادعلينا من نفحات الله بذكر الصالحين
وصلى الله على نبي الرحمة والملحمة أفضل صلاة وأتمها


مساعدبن بشير السديرة


رب يسر وأعن يا كريم


الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهداه، وبعد؛

 فإن السنة نبع صاف، وورد شاف، لا يلجها أحد إلا وصدر عنها بكل خير وبركة، ولم أزل، بتوفيق الله تعالى،

أتلمس خطاي في أن أنهل من معينها، وأدعو الله تعالى أن يرزقني الفهم فيها، واستخراج درر العلوم منها،

 كيف لا وصاحبها هو إمام الإسلام، وقدوة الأنام، صلى الله عليه وسلم، وكنت قبل فترة زمنية ليست بالطويلة قد شرعت في جمع جملة من الأحاديث تتعلق بموضوع هام ومبارك؛ وهو قدوم جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأنواع المعارف والعلوم غير القرآن، وسميته :"منحة الجليل ببيان فوائدزيارات جبريل"، جمعت فيه كل حديث قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "أتاني جبريل" أو "جاءني جبريل" ، وأشباه ذلك

 وقد صرفتني عنه بعض الصوارف، وأدعو الله تعالى أن يعين على التمام والكمال، وفي أثناء نظري في بعض الأحاديث المتعلقة بالزهد والمواعظ، وقعت عيناي على حديث :"يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارق" فاستوقفني معنى في الحديث؛ وهو نداء جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم باسمه المجرد دون قوله: يا أيها النبي أو يا رسول الله، أو شيء نحوه، فشرح الله تعالى صدري لبحث الحديث رواية ودراية

واستخراج بعض النكت واللطائف المبثوثة منه، فما ألصقه بمشكاة النبوة من حديث، وما أرقاه من خبر، وسرت فيه مسيري في البحث الأول :"إتحاف الجماعة بصحة حديث بعثت بالسيف بين يدي الساعة"

 وسميته عند الشروع فيه: "إدراك الفوْت بحديث عش ما شئت فإنك ميْت"، وقد نويت إلحاقه بسابقه وإكمال العدة عشرة أحاديث بيان صحتها واستخراج الدرر منها، والله تعال المسؤول أن يجنبني فيه الزلل، وأن يأخذ بيدي أخذ الكرام عليه، إنه أكرم مسؤول وأجلّ مأمول، وأن يتقبله مني قبولاً حسناً، يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم


والله أرجو في أموري كلها *معتصباً في صعبها وسهلها


وكتبه
أبو عبد الرحمن محمد بن محمود بن مصطفى الإسكندري


بيان صحة الحديث ومن أودعه من الإئمة في مصنفاتهم والكلام على رواته


هذا الحديث جاء من رواية سهل بن سعد الساعدي، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عباس، وعلي ابن أبي طالب، وأبي هريرة، رضي الله تعالى عنهم، ولفظه: " جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل، وعزه استغناؤه عن الناس".وألفاظ الروايات تتفاوت على اتحاد في الأصل

.
أما حديث سهل بن سعد الساعدي، رضي الله عنه، فقد أخرجه الأصبهاني في " تاريخ جرجان" (1/102)، والطبراني في "المعجم الأوسط " (4/306) رقم (4278)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (3/253)، والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (4/10)، والجرجاني في "الأمالي" (2/407)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (23/216) من حديث محمد بن حميد الرازي، حدثنا زافر بن سليمان، حدثنا محمد بن عيينة، عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي، به


قال أبو القاسم الطبراني:" لم يرو هذا الحديث عن محمد بن عيينة إلا زافر ومحمد بن عيينة أخو سفيان"
وقال أبو نعيم: " هذا حديث غريب من حديث محمد بن عيينة تفرد به زافر بن سليمان وعنه محمد بن حميد".
قلت: لله درك، لم يتفرد؛ فقد أخرجه القضاعي في "مسند الشهاب" (1/435) رقم (746) من حديث محمد بن إبراهيم هو الغازي، ثنا عبد الصمد بن موسى القطان، ومحمد بن حميد، ثنا زافر بن سليمان، ثنا محمد بن عيينة، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي، فذكره بنحوه


فقد توبع محمد بن حميد الرازي بعبد الصمد بن موسى القطان، وإسماعيل بن توبة
ووجدت شيخنا الحويني، حفظه الله تعالى، تتبع ذلك في "تنبيه الهاجد"؛ إذ كان على شرطه، فقال في(2/489) نسخة دار المحجة(2/609) فلم يتفرَّد به محمد بن حميد . فتابعه عبد الصمد بن موسى القطان ، ثنا زافر بن سليمان مثله . أخرجه القضاعيُّ في "مسند الشهاب" [746] من طريق عبد الصمد ومحمد بن حميد معًا .
وتابعه أيضًا إِسماعيل بن توبة ، عن زافر بسنده سواء


أخرجه الشيرازي في "الألقاب" - كما في "رد العراقي على الصنعاني" وهو مطبوعٌ في آخر "مسند الشهاب" [2/ 358

ثم رأيته في "مستدرك الحاكم" [4/ 324 - 325] رواه من طريق عيسى بن صبيح ، عن زافر بن سليمان بسنده سواء لكنه تردد في اسم الصحابي ، فمرَّةً جعله "عن ابن عمر" ومرّةُ جعله "عن سهل بن سعد" . فهذا متابعٌ ثان . ولله الحمد


وقال أبو عبد الله الحاكم عقب هذه الرواية المذكورة: " هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
وقال الذهبي في "التلخيص" :"صحيح".
وجمع ذلك السخاوي، رحمه الله، في "المقاصد الحسنة"( صــ455) فقال:" الطبراني في "الأوسط" واللفظ له من حديث محمد بن حميد، والقضاعي من حديث عبد الصمد بن موسى القطان وابن حميد، والشيرازي في "الألقاب" من حديث إسماعيل بن توبة؛ ثلاثتهم عن زافر بن سليمان، عن محمد بن عيينة، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال:...فذكره ثم قال: وهو عند أبي الشيخ وأبي نعيم وغيرهما؛ كالحاكم وصحح إسناده، وحسنه العراقي ".
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (2/252- 253):"رواه الطبراني في "الأوسط" وفيه زافر بن سليمان، وثقه أحمد وابن معين وأبو داود، وتكلم فيه ابن عدي وابن حبان بما لا يضر


وقال في موضع آخر (10/219): "رواه الطبراني في "الأوسط" وإسناده حسن".
وحسنه المنذري في "الترغيب والترهيب" بقوله: "إسناده حسن".
فإذا ثبتت لدينا المتابعات لمحمد بن حميد الرازي، فلم يبق موضع للنظر في إسناد حديث سهل إلا محمد ابن عيينة وزافر بن سليمان، أما محمد بن عيينة فصدوق، وفوق الصدوق، وهو أقل من أخيه ولا شك


فبقي التعلق بزافر بن سليمان، وقد غلا ابن الجوزي، رحمه الله تعالى، فجزم بوضع الحديث، وعلقه به، وتبعه جماعة على هذا، واعتمد آخرون تصحيح أبي عبد الله الحاكم، وأقروه


وقال الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (صـ34) :"وفي إسناده محمد بن حميد كذبه أبو زرعة، رواه عن زافر بن سليمان، وهو ضعيف، قال في" اللآلىء": أخرجه الحاكم في "المستدرك" من طريق عيسى بن صبيح، عن زافر، وصححه


قال ابن حجر في" الأمالي": "تفرد به زافر، وهو صدوق سيىء الحفظ كثير الوهم ، وفي إسناده محمد بن عيينة، وفيه مقال". فالصواب أن الحديث ضعيف، لا كما جزم به الحاكم من كونه صحيحا، ولا كما جزم به ابن الجوزي من كونه موضوعا، وله شواهد..."


قلت: لله درك، بل هو صحيح بذاته و بشواهده، فقدأتيت على ذكر شواهده.
وأما زافر بن سليمان، فهو صدوق كثير الوهم، فيتجنب من رواياته ما خالف فيها الأثبات الرفعاء، أو ما انفرد به مخالفاً لعمومات الشريعة، وليس الأمر هنا بذاك

ودونك جملة من الشواهد التي توقع في قلب المنصف ثبوت هذا الخبر المبارك عن سيد البشر صلى الله عليه وسلم
فحديث جابر بن عبد الله، رضي الله عنهما، قد أخرجه أبو داود الطيالسي في "المسند "(1/242) رقم (1755)، ومن طريقه الأصبهاني في"طبقات المحدثين بأصبهان"(2/281)،والبيهقي في "شعب الإيمان" (7/348)، والجرجاني في "الأمالي" (2/409) من حديث الحسن بن أبي جعفر، عن أبي الزبير، جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال جبريل عليه السلام : يا محمد عش ما شئت فإنك ميت وأحب من شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك لاقيه".


والحسن بن أبي جعفر أبو سعيد الأزدي،تكلم فيه الأئمة فقبله بعضهم ومشاه، وضعفه غيرهم، وقال فيه البخاري:"منكر الحديث"
قال أبو حاتم ابن حبان في "المجروحين" (1/237):" وكان الحسن بن أبي جعفر من المتعبدين المجابين الدعوة في الأوقات، ولكنه ممن غفل عن صناعة الحديث وحفظه واشتغل بالعبادة عنها، فإذا حدث وهم فيما يروي ويقلب الأسانيد وهو لا يعلم حتى صار ممن لا يحتج به، وإن كان فاضلا"


ولله در ابن عدي؛ إذ سبر أحواله، ونظر في أحاديثه كعادته فقال في "الكامل" (2/308):
"والحسن بن أبي جعفر له أحاديث صالحة، وهو يروي الغرائب، وخاصة عن محمد بن جحادة له عنه نسخة يرويها المنذر بن الوليد الجارودي عن أبيه عنه، ... وله عن غير ابن جحادة عن ليث عن أيوب وعلي بن زيد وأبو الزبير وغيرهم على ما ذكرت أحاديث مستقيمة صالحة، وهو عندي ممن لا يتعمد الكذب، وهو صدوق ،كما قاله عمرو بن علي، ولعل هذه الأحاديث التي أنكرت عليه توهمها توهما أو شبه عليه فغلط

فإسناد حديث جابر ضعيف لضعف الحسن بن أبي جعفر الأزدي، وضعفه لا لكذب أو اتهام، بل لغلبة العبادة عليه وانشغاله بها، وحدوث الغفلة في الرواية، والحديث صحيح بشواهده، ما سبق منها، وما سيأتي، بحول الله تعالى.
وقد أنصف البوصيري، رحمه الله، فقال في "إتحاف المهرة" (7/155) بضعف إسناده لضعف الحسن ابن أبي جعفر، لا كما فعل ابن الجوزي، رحمه الله، إذ حكم بوضعه


وأما حديث عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما، فقد رواه الحافظ ابن عساكر في "معجم شيوخه" (1/304) من حديث زفر بن الغطريف، ثنا عبد الرزاق حدثني إبراهيم بن الحكم بن أبان العدني حدثني أبي عن عكرمة عن ابن عباس...فذكره قال أبو القاسم: "غريب المتن والإسناد".


قلت: فيه إبراهيم بن الحكم بن أبان العدني.
قال فيه المزي في "تهذيب الكمال" (2/75):" قَال إسحاق بن منصور عن يحيى : لا شيء، وقَال البُخارِيُّ : سكتوا عنه، وَقَال النَّسَائي : ليس بثقة ، ولا يكتب حديثه، وَقَال أبو زُرْعَة : ليس بالقوي ، وهو عندي ضعيف، وَقَال أبو الفتح الأزدي : متروك الحديث ساقط، وَقَال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني : ساقط، وَقَال عبدان الأهوازي : سمعت عباس بن عبد العظيم يقول - وذكرنا له أو ذكر له إبراهيم بن الحكم بن أبان - فقال : كانت هذه الأحاديث في كتبه مرسلة ليس فيها ابن عباس ولا أبو هُرَيْرة ، يعني قلت: وحديثنا منها: أحاديث أبيه عن عكرمة".


وأما حديث علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، فقد أخرجه الطبراني في "الأوسط" (5/119) رقم ( 4845) وفي "الصغير" (2/21) رقم (704) من حديث حفص بن بشر الأسدي ، قال: حدثنا حسن بن حسين العلوي، عن أبيه ، عن جعفر بن محمد، عن محمد بن علي، عن علي بن الحسين، عن الحسين بن علي، عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، به.


قال الهيثمي في "المجمع" (10/220) :"رواه الطبراني في الصغير والأوسط وفيه جماعة لم أعرفهم".
وأما حديث أبي هريرة، رضي الله عنه، فقد أخرجه العقيلي من حديث داود بن عثمان الثغري، حدثنا عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن أبي معاذ، عن أبي هريرة فذكره دون خبر جبريل، عليه السلام ، ثم قال: لا يصح والمتهم به داود ، حدث عن الأوزاعي وغيره بالبواطيل منها هذا وليس له أصل.


وتتُبع بأنه توبع؛ فقال في "اللآلئ المصنوعة" (2/27-28):"أخرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة عن يحيى بن عثمان به، ولم ينفرد به داود، بل له متابع أخرجه أبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" حدثني إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الملك، حدثنا أبو زكريا يحيى بن عثمان بن صالح، حدثني جدي لأمي أبو المنهال حنش بن عمر الدمشقي طباخ المهدي، حدثني أبو عمر الأوزاعي به...".


وهذه لا يفرح بها، فالحديث بهذا الإسناد لا يصح.
والحديث، يا رعاك الله، كما ظهر لك من رواية سهل بن سعد مستغنٍ بنفسه عن تتبع الشواهد، فكيف وقد وجدت بعض الشواهد بأسانيد لا مغمز شديد، ولا مطعن قوي في رواتها، وإن كان بعضها واهٍ، وبعضها لا يخلو في طرقه من ضعف، ولكن ليس بسبب كذب أو اتهام بوضع أو ترك، ومن كانت حالته كذلك لم نلتفت إليه في تقوية الخبر.
وقد قال العراقي، رحمه الله تعالى، في أرجوزته


فإن يقل يحتج بالضعيف * فقل إذا كان من الموصوف
رواته بسوء حفظ يجبر* بكونه من غير وجه يذكر


فخلاصة القول في حديثنا هذا: أنه حديث صحيح بمجموع طرقه، تشهد عباراته بأنه خرج من مشكاة النبوة، ومن معين الرسالة، كما سيظهر لك في ثنايا اللطائف العظيمة، والنكت الكثيرة في كلماته القليلة.

بيان الفوائد والنكت المستخرجة من الخبر من كلام أئمة الدين


قال الغزالي كما في "فيض القدير" (4/501):" جمعت هذه الكلمات حكم الأولين والآخرين، وهي كافية للمتأمل فيها (أي :في الدنيا) طول العمر؛ إذ لو وقف على معانيها وغلبت على قلبه غلبة يقين استغرقته، وحالت بينه وبين النظر إلى الدنيا بالكلية والتلذذ بشهواتها، وقد أوتي المصطفى جوامع الكلم، وكل كلمة من كلماته بحر من بحور علوم الحكمة".


إن الإيذان بالخروج من الدنيا ومفارقة الأحباب ودخول الآخرة والحساب والجزاء، مما يدفع العاقل للتدبر في أمر نفسه، فما من أحد في الدنيا إلا وهو ضيف، وما بيده عارية؛ فالضيف مرتحل والعارية مردودة


تمتع بالرقاد على شمال* فسوف يطول نومك باليمين
ومتع من يحبك من تلاق* فأنت من الفراق على يقين


عش ما شئت، فإنك ميت: فمهما طال العمر أو قصر، فما هي إلا سنوات تمضي تعد للإنسان أو تعد عليه، وبعدها ولو بلغ الواحد أرذل العمر ؛ فإنه ميت لا محالة، قال تعالى : " إنك ميت وإنهم ميتون"


وأحبب من شئت قريباً أو بعيداً، صغيراً أو كبيراً، غنيا أو فقيراً، حسيباً أو حقيراً، أماً أو أباً، أختاً أو أخاً، صديقاً أو رفيقاً، زوجة أو زوجاً؛ فإنه إحساس ينجرف بصاحبه أو ينحرف به، يزيد أو ينقص، يطول أو يقصر

 يكون نعمة لأناس، ونقمة على آخرين، وليكن حبيبك من يكون ومن شئت؛ فإنك ولا شك مفارقه بموتك أو موته أو فوتك أو فوته بالرحيل وغيره، فأحبب حبيبك هونا ما، ولا تحب إلا في الله فإن المتحابين فيه على منابر من نور، وصاحب من أردت أن تصاحبه من الإخوان عالماً بأنه لابد من مفارقته فلا تسكن إليه بقلبك سكون الأبد، وديمومة البقاء فلن يكون كذلك


واعمل خيراً أو شراً، معروفاً أو منكر، أوصدقاً أو كذباً، براً أو فجوراً، غشاً أو إخلاصاً، أمانةً أو خيانةً، اعمل صبراً أو تذمراً، كرماً أو بخلاً، جهاداً أو فراراً، اعترافاً أو جحوداً، علماً أو جهلاً، طهراً أو خبثاً، شكراً أو كفراً، اعما ما شئت فإنك مجزي به.


قال المناوي في "فيض القدير" (1/102):" (أتاني جبريل فقال لي يا محمد): خاطبه به دون رسول الله أو النبي؛ لأنه المناسب لمقام الوعظ والتذكير والإيذان بفراق الأحباب والخروج من الدنيا ودخول الآخرة والحساب والجزاء، وبدأ بذكر الموت لأنه أفظع ما يلقاه الإنسان وأبشعه فقال عش ما شئت فإنك ميت بالتشديد والتخفيف، أي: آيل إلى الموت عن قرب".


والعرب تقول: وعند الصباح يحمد القوم السري، فلا بد لكل إنسان من مجاهدة الشعور بالألم في فراق ما يحبه

 وما فيه فرحه من أسباب الدنيا، والتي لا تقربه إلى الله تعالى والجنة، وذلك يختلف باختلاف الناس فمن يفرح بمال أو جاه أو ولاية، وكان هذا الفرح صارفاً له عن المقصود الأسمى من خلقه ووجوده من التعبد إلى الله تعالى

وتحقيق معنى العبودية له جل في علاه، يترك أولا ما به فرحه ثم يراقب الله حتى لا يشتغل إلا بذكر الله تعالى والفكر فيه ويكف شهواته ووساوسه حتى يقمعهاويلزم ذلك بقية العمر فليس للجهاد آخر إلا الموت، ولا راحة حقيقية وكاملة إلا في الجنة


قال الغزالي:" القصد بهذا تأديب النفس عن البطر والأشر والفرح بنعيم الدنيا بل بكل ما يزايله بالموت فإنه إذا علم أن من أحب شيئا يلزمه فراقه ويشقى لا محالة بفراقه شغل قلبه بحب من لا يفارقه وهو ذكر الله فإن ذلك يصحبه في القبر فلا يفارقه وكل ذلك يتم بالصبر أياما قلائل فالعمر قليل بالإضافة إلى حياة الآخرة ".


وفراق المحبوب شديد فينبغي على العاقل الواعي أن يحب من لا يفارقه، وهو الله تعالى، ولا يحب من يفارقه، وهو الدنيا، فإنه إذا أحب الدنيا كره لقاء الله، فيكون القدوم بالموت على ما يكره، والفراق لما يحب، وكل من فارق محبوبا فيكون أذاه في فراقه بقدر حبه وأنسه، وأنس الواحد للدنيا أكثر من أنس فاقدها


يا فرقة الأحباب لا بد لي منك ويا دار دنيا إنني راحل عنك
ويا قصر الأيام ما لي وللمنى ويا سكرات الموت ما لي وللضحك
وما لي لا أبكي لنفسي بعبرة إذا كنت لا أبكي لنفسي فمن يبك
ألا أي حي ليس للموت موقنا وأي يقين منه أشبه بالشك

وإذا تفطن الواحد أنه لا بد من مفارقة من سكنت إليه النفس، واطمأن له القلب، وسعد به الخاطر، فلاينبغي أن يطيعه فيما يعصي الرب تعالى؛ فإنه لا بد من فرقة الأخلاء كلهم إلى يوم قيل فيه:" الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين" ، فإن كان ولا بد فليحب في الله من يعينه على طاعة الله تعالى، ولا يتعلق بمن يعينه على مخالفة سيده ومولاه،


قال بعض السلف:" من أحب بقلبه من يموت، مات قلبه قبل أن يموت".


قال الغزالي: " ومن لا يؤثر عز النفس على شهوة البطن فهو ركيك العقل ناقص الإيمان ففي القناعة العز والحرية ولذلك قيل استغن عمن شئت فأنت نظيره واحتج إلى من شئت فأنت أسيره وأحسن إلى من شئت فأنت أميره".
والشرف لغة: العلو ، وشرف كل شيء أعلاه ؛ لأنه لمّا نصب قدميه في الليل لسيده ومولاه في ليلة وقت صفاء ذكره متذللاً متخشعاً بين يدي مولاه لائذاً بعز جنابه وحماه، شرّفه بخدمته ورفع قدره عند ملائكته وخواص عباده بعز طاعته على من سواه
فالعز في القناعة والرضا بالكفاف، وقد صدق القائل:

فما العز إلا في القناعة والرضا بأدنى كفاف

وقد فسر العلماء الحياة الطيبة في قول الله تعالى :"من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة " أن المراد بالحياة الطيبة: القناعة .


ومن نصائح بعض السلف لولده : يا بني إذا طلبت الغنى فاطلبه بالقناعة فإنها مال لا ينفذ ، وإياك والطمع فإنه فقر حاضر ، وعليك بالإياس مما في أيدي الناس فإنك لا تيأس من شيء إلا أغناك الله .


قال ابن الجوزي في "صيد الخاطر" (صـ537)ـ: "تفكرت في قول شيبان الراعي لسفيان : يا سفيان، عد منع الله إياك عطاء منه لك ، فإنه لم يمنعك بخلا إنما منعك لطفا ، فرأيته كلام من قد عرف الحقائق؛
فإن الإنسان قد يريد المستحسنات الفائقات فلا يقدر ، وعجزه أصلح له ; لأنه لو قدر عليهن تشتت قلبه ، إما لحفظهن أو بالكسب عليهن ، فإن قوي عشقه لهن ضاع عمره ، وانقلب هم الآخرة إلى الاهتمام بهن ، فإن لم يردنه فذاك الهلاك الأكبر ، وإن طلبن نفقة لم يطقها كان سبب ذهاب مروءته وهلاك عرضه ، وإن مات معشوقه هلك هو أسفا ، فالذي يطلب الفائق يطلب سكينا لذبحه وما يعلم ".


لله دره فهو من درر الكلام، وقال بعضهم :


هي القناعة فالزمها تعش ملكا لو لم يكن منها إلا راحة البدن
وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها سوى بالقطن والكفن

وإذا كان فراق المقربين والأحباب بالموت والتغييب في اللحد مما يستعين فيه المسلمون بربهم والتصبر على قضائه وقدره، فإن الفراق بسفر أو طلاق أو بعاد أو غير ذلك مما يوقع في القلوب غصة

 ويلقي في النفوس الحسرة، إذا علم الواحد أن محبوبه حي يرزق، يطعم ويشرب، ويلاقي ويصحب كل أحد دونه، ويؤذن للجميع عليه، ويحجب هو، ويأنس الآخرون برفقته ويتجرع هو مرارة الأسى لفراقه، فكيف السبيل للنجاة من هذا الشعور المؤلم بل والقاتل لبعض ذوي النفوس الضعيفة ، أو الذين ابتلوا ببعض الأدواء كالعشق وما شاكله؟


وأنا ذاكر هنا، بتوفيق الله تعالى، كيف السبيل للتخلص من هذه المعاني المؤلمة المنبعثة بالفقد، سواء كان الفقد بالموت أو بغيره من تقلبات الدهر ببني البشر، فدونك إياها، عض عليها؛ فإنها عزيزة.
فإن كان الفقد بالموت، ينبغي على المسلم أن يعلم جملة أمور، ويسلك عدة سبل


1- أن يعلم أن الموت حتم لازم، لكل مخلوق، وأنه سنة كونية لا تتحول ولا تتبدل إلا في الجنة، وهي موعود الله تعالى لعباده الصالحين من الصابرين المحتسبين، وأن الموت مرحلة فراق يتبعها لقاء، فالموعد الجنات ميعاد العبيد الصادقين، وتلمح اللقاء بعد الفراق يهون الصعاب، ولا ينس : غداً ألقى الأحبه محمداً وحزبه.


2- البكاء مفيد، فمعلوم أن الجسم وحدة متكاملة، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر، والبكاء سلوك نابع من تألم القلب، ففي حديث العرباض، رضي الله عنه، قال: "وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون..." الحديث،

 فما دمعت العين إلا بعد وجل القلب، فالخوف فعل القلب، والبكاء أثر وفعل العين، وهي من الجوارح، وذكرت بعض الدراسات أن البكاء أحد أهم قنوات تفريغ مشاعر الحزن والكبت، ولا سيما الفقد بالموت أو غيره، فإن العين تدمع، والقلب يحزن، والمشاعر تهتز، والنفوس تضطرب، ولكن يبقى القلب ثابتاً متأملاً في موعود الله تعالى، عالماً بان الله تعالى لا يقضي للعبد قضاءً إلا وعاقبته له إلى خير، فلا مانع من سح الدموع، وإطلاق مائها حزناً وألماً على الفقد ودونك "وابيضت عيناه من الحزن وهو كظيم".


3- الحياة تستمر، نعم تستمر، شاء الإنسان أم أبى، تدخل الأنفاس وتخرج، وتشرق الشمس وتغرب، وتمضي الأيام، وتفنى الأعمار، ويموت الناس ويولد آخرون، ويفرح الإنسان بعد حزن، ويبرأ بعد مرض، ويأنس بعد قلق، ويهدأ بعد اضطراب، فلا يترك الإنسان نفسه فريسة لوحش كاسر يسمى: دوام الحزن للفقد، يفترسه

 ويتركه بعد الخلاص منه شخصية مشوهة، جسد يتحرك وكيان منهار، خيال يتحرك بين الناس، وقلب يتقلب غلياناً في النفس لا يدع باباً للسعادة إلا أغلقه، ولا نافذة لدخول الشمس إلا سدها، ستبقى الحياة مستمرة فاغتنمها فإن اليوم المنصرم لا يعود إلى يوم القيامة، فلن تتوقف الشمس، ولن تتعطل عقارب الزمن، فلا داعي لأن تمتصنا الأحزان وتستغرقنا الهموم حتى ننهار، فالحياة تستمر


4- التخلص من الذكريات المؤلمة؛ فإن أحوال الناس عجيبة، وأمورهم غريبة، فإذا مات لهم عزيز أو قريب، علقوا له صورة ووشحوها بالسواد، وزينوا بها مجلسهم، وذهبوا إلى قبره في الأعياد وأوقات السرور، فلا هم أصابوا السنة بفعلهم بل خالفوها، ولا هم نفعوا ميتهم بالدعاء والصدقات، ولا أدخلوا على أنفسهم السرور

 وجنبوها الأحزان، وقد جعل الله تعالى لكل شيء قدراً، وينبغي أن نلبس لكل حادثة لبوسها، إما نعيمها وإما بؤسها، فكلما جالت بالخاطر ذكرى المفقود، يسن للمسلم أن يحدث استرجاعاً جديداً؛ بقوله :إنا لله وإنا إليه راجعون،

اللهم اجرنا في مصيبتنا واخلفنا خيراً منها؛ ففي الحديث أن الله تعالى يكتب له نفس أجر الصبر عند حدوث المصيبة ولو بعد مرور السنين والأعوام. ومن المناسب هنا ذكر ما يسمى عند النفسانيين: بالرابط المتميز أو العجيب

 إذ من الجيد أن يرتبط في العقل والخاطر والقلب تذكر إنسان بعمل الخير، فمن ماتت أمه وتألم لفقدها، فإذا ذكرها ارتبط تذكره لها بالدعاء لها والاستغفار، ثم طلب الرحمة لها والاستعتاب لنفسه من التقصير في حقها، والتفكر في حال الجنة وحال أهلها من النعيم المقيم الذي لا يزول و لا يحول، وهما معاً فيها، فحينئذ يهدأ البال ويطمئن الخاطر وتستقر النفس، فبدلاً من أن يحدث تذكر الميت ألماً وحزناً وحسرةً، يحدث براً وطاعةً وأملاً في اللقاء في مقعد صدق عند مليك مقتدر، فالمحزون للفقد يبادر من التخلص من الذكريات المؤلمة، وتحويلها إلى روابط إيجابية إيمانية جميلة تدخل السرور وتشرح الصدور


5- تعرف على الآخرين وأنشئ صداقات وأخوة مبنية على الخير والطاعة والنفع المشترك، فالمؤمن قوي بإخوانه، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، ويد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، والاستكثار من الإخوان الصالحين، والأصدقاء النافعين، من هدي العقلاء والمتبصرين، فهم عدة في الشدائد و البلاء، وعون في الطاعة والرخاء، إن حضر ذكروه وأعانوه، وإن غاب افتقدوه ودعوا له، إن رأوا خيراً أعلنوه ونشروه، وإن رأوا شراً ستروه وكتموه، فأطلق لنفسك العنان في التعرف على الإخوان، والتواصل مع الأقران، فستجد أثراً مباركاً من هذا، فالمرء على دين خليله، وكل قرين بالمقارن يقتدي


6- تصبر فإن الصبر مفتاح الفرج، وإنه ليسير على من يسره الله تعالى عليه، وفي الحديث :"ومن يتصبر يصبره الله" ، والله تعالى يقول:" إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب" ، واسأل نفسك سؤالاً مهماً: إن لم أصبر فماذا يمكن أن أفعل والموت حتم؟ ولماذا أعين على نفسي بالجذع والتسخط والتألم الفاجع، والحزن المستغرق؟ فجواب كل العقلاء: لا شيء يستطيع الإنسان فعله والحالة تلك، فعليه بالتصبر والاحتساب، ففي ذلك خير كثير


أما إن كان الفقد لسفر أو طلاق أو ابتعاد أو حالت بالقرب من المرغوب بقربه أحوال وظروف، فالأمر أصعب، والحال أشد، فينصح من هذه حالته بما سبق من النصائح والخطوات، ثم نزيده بياناً بما يأتي


1- اعلم أنك ما زلت تحب فلاناً وترغب في قربه، فإن كثيراً من الناس، إذا حال بينه وبين من يرغب في قربه أحوال وظروف، بغض الطرف عن أسبابها والمتسبب فيها، يحاول أن يقنع نفسه بأنه يكرهه وأنه قادر على الاستغناء عنه دون مشقة أو عنت، ويجبر نفسه ويلزمها بالاقتناع بما يناقض الحال والواقع، ومحمل الأشياء ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار، فإذا كان الحب لله وفي الله، فما أعظمه من حب وما أجلها من عاطفة

 فلماذا الرغبة في التخلص منها؟ فإن حالت بينكما الأحوال والظروف والعراقيل، فأبق العاطفة النقية والمحبة الصافية وحولها للدعاء بظهر الغيب وتمني الخير له، والرغبة في صلاح حاله، وحصول أنواع المعروف له

2- افهم أن هناك آخرين تستطيع أن تحبهم ويحبونك، فالأخيار كثر، والصالحون متوفرون، والدنيا مزدحمة بأنواع مختلفة من البشر ممن يتوافقون معك، ويرغبون في قربك والتواصل معك، فلا داعي لغلق الأبواب، وحصر الاختيارات، وتضييق الأفق، وعند النفسانيين ما يسمى بالافتراض المسبق

 فمن الناس من يقول لنفسه: إن لم أتزوج فلانة فلن أكون سعيداً، وإن لم أدرس في المدرسة الفلانية فلن أتفوق، أو إن لم أكن غنياً فلن أجد ذاتي أوأحقق أهدافي، فهذا الافتراض المسبق يمنع الخيارات، ويقلل الفرص، ويلغي المرونة، ويضيق الأفق، فابدأ بمحبة نفسك ومحبة الآخرين،

 وقل لنفسك: سيأتي قريني وصنوي ورفيقي، ولو بعد حين


3- ا تحب أحداً أكثر من نفسك، إذ لا يحق هذا لأحد إلا سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، فلا ينبغي لأحد أن يحب أحداً أكثر من نفسه إلا أن يحب النبي صلى الله عليه وسلم.فحب الإنسان لنفسه ليس بأنانية، فحبه لنفسه يدعوه للحفاظ عليها من القبائح والرذائل، ويدعوه هذا الحب لحمايتها من الشرور وعظائم الأمور، وإرضائها في طاعة الله تعالى


إن نفساً لم تدر ما الحب* نفس لم تدرما معناها أنا بالحب قد عرفت نفسي* وبالحب قد عرفت الله


فمن رغب فيك فارغب فيه، ومن سلاك فاسله، ومن تقرب إليك فتقرب منه، ومن أحب قربك وطلب الود منك فبادله، ومن أبى فالدنيا واسعة، والأخيار كثيرون ، كما سبق وأسلفت

4- تكلم مع أحد واطلب النصيحة والمشورة، فلا بد من شكوى للصالحين، وبث الهموم للعارفين الناصحين، وطلب مشاورة العقلاء والمتخصصين


وصدق القائل
ولا بد من شكوى لذي مروءة * يواسيك أو يسليك أو يتوجع


فبث ما في النفس من هموم، وإخراج مكنونات الخاطر للمقربين، وإصغاء الأذن للناصحين علامة على العقل والحكمة، بل وتوفيق الله تعالى للإنسان، ولعل الكلمة التي ينفع الله العبد بها لم يسمعها بعد، فليستمع للنصح والتوجيه والإرشاد، فإن لم ينتفع بهذا كله، فلا شك سينتفع بالتخلص من العبء الشديد والحمل الثقيل الجاثم على صدره بسبب ألمه وفقده لمن يحب ويرغب.

وصدق التوكل على الله تعالى، وكمال اللجوء إليه، والانطراح على عتبة العبودية لديه، والانشغال بالنافع المفيد من العلوم والأحوال، وكثرة الدعاء، وصحبة الأخيار، وانتقاء المقربين، ورفع الهمة في الدنيا والدين، أصل أصيل وركن ركين في التخلص من آلام الفقد المزعجة.


الخاتمة نسأل الله تعالى حسنها


وفي الأخير، ليعذرني الإخوة والأخوات، فقد بدأت رسالتي بالحديث وأهله، أنعم بهم من أهل، وخضت غمار البحث والتحقيق، وما أوعره من درب، وأطوله من طريق، ثم تطرقت إلى فوائد علمائنا، ودرر مشايخنا، وألجأني المسير إلى درب علماء النفس لاستخلاص الفوائد والحكم، فهاهي غضة طرية كما وفقني الله تعالى فيها، لكم غنمها، وعلي، لاسمح الله، غرمها، فمن وجد خيراً فليدع بخير، ومن وجد غير ذلك فالسماح السماح


وإن تجد عيباً فسد الخلالا* جل من لا عيب فيه وعلا


والحمد لله أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً، وله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون،

 وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، والحمد لله رب العالمين


كتب/
أبو عبد الرحمن المصري
محمد بن محمود بن مصطفى الإسكندري

 

 

 

طباعة

<جديد قسم < صفحـة الـمـقـالات

التربية في الإسلام
السيدة عائشة رضي الله عنها المفترى عليها
الإنتباهبة والتسويق باسم الإسلام
وثيقة صحيفة المدينة
الرد على مقال:ـــــــ(( الغنوشي في علمانيته))
الأضاحي وسنيتها ومواظبة النبي عليه السلام عليها
الرد المبين على المدعو على يس
الصارم البتار على ساب الرب القهار
تهنئة فضيلة الشيخ مساعد بن بشير بالعيد
اللُّمْعَةُ بِبِيَانِ أَنَّ صَلاةَ الْعِيدِ لا تُجْزِئُ عَنْ صَلاةِ الْجُمُعَةِ


التعليقات : 1 تعليق

ايميلك

اسمك

أدخل الكود فضلا انقل الموجود بالصوره

تعليقك


   القائمة الرئيسية

   الصـــوتيـــــــــات

   خدمات ومعلومات

Powered by: mktba 4.3